محمد حسين الذهبي
271
التفسير والمفسرون
الموافقة لسنته فيها ، فلا بد للناظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر في أطوارهم وأدوارهم ، ومنا شئ اختلاف أحوالهم من قوة وضعف ، وعز وذل ، وعلم وجهل ، وإيمان وكفر ، ومن العلم بأحوال العالم الكبير ، علوية وسفليه ، ويحتاج هذا إلى فنون كثيرة من أهمها التاريخ بأنواعه . قال الأستاذ الإمام : أنا لا أعقل كيف يمكن لأحد أن يفسر قوله تعالى 2 : 212 « كان الناس أمة واحدة فبعث اللّه النبيين مبشرين ومنذرين » الآية ، وهو لا يعرف أحوال البشر ، وكيف اتحدوا ، وكيف تفرقوا ، وما معنى تلك الوحدة التي كانوا عليها ، وهل كانت نافعة أو ضارة ، وما ذا كان من آثار بعثة النبيين فيهم . أجمل القرآن الكلام عن الأمم وعن السنن الإلهية ، وعن آياته في السماوات والأرض ، وفي الآفاق والأنفس ، وهو إجمالى صادر عمن أحاط بكل شئ علما ، وأمرنا بالنظر والتفكر ، والسير في الأرض لنفهم إجماله بالتفصيل الذي يزيدنا ارتقاء وكمالا ، ولو اكتفينا من علم الكون بنظرة في ظاهره ، لكنا كمن يعتبر الكتاب بلون جلده ، لا بما حواه من علم وحكمة . رابعها : العلم بوجه هداية البشر كلهم بالقرآن ، فيجب على المفسر القائم بهذا الفرض الكفائي ، أن يعلم ما كان عليه الناس في عصر النبوة من العرب وغيرهم ، لأن القرآن ينادى بأن الناس كلهم كانوا في شقاء وضلال ، وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعث به لهدايتهم وإسعادهم ، وكيف يفهم المفسر ما قبحته الآيات من عوائدهم على وجه الحقيقة أو ما يقرب منها ، إذا لم يكن عارفا بأحوالهم وما كانوا عليه ؟ .